ابن عربي

430

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

ولم يكن قط في صورة من تلك الصور مذكورا بهذه الصورة الآدمية العنصرية ، وهذه الآية من أصعب ما نزل في القرآن في حق نقصان الإنسان ، ومساق الآية يؤذن بتقرير النعم عليه ، وقوله تعالى « مَذْكُوراً » وإنما وقعت الصعوبة في هذا الذكر كونه نكرة ، والنكرة تعم في مساق النفي ، فالتنكير يؤذن بتعميم نفي الذكر عنه من كل ذاكر ، وهو دليل على أن اللّه ما ذكره لما أوجده قبله من الأعيان ، وإن كان مذكورا له في نفسه ، ويعني ذلك أن الإنسان في ذلك الحين موجود في عينه مع وجود الأعيان ، ولكن ما تعرفه حتى تذكره ، ولا هي ذات فكر حتى تجمعه في ذهنها تقديرا فتذكره ، فإن الفكر من القوى التي اختص بها الإنسان لا توجد في غيره ، ثم ذكره تعالى لملائكته برتبته التي خلق لها ، لا باسمه العلم الذي هو آدم ، فقوله تعالى في الإنسان « لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » لأن الذكر له تعالى ، فحدث الإنسان لما حدث ذكره [ إشارة : لولا ما نحن ثابتون في العدم ، ما صح أن تحوي علينا خزائن الكرم : ] - إشارة - لولا ما نحن ثابتون في العدم ، ما صح أن تحوى علينا خزائن الكرم ، فلنا في العدم شيئية ، غير مرئية ، فقوله « لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » ، فذلك إذ لم يكن مأمورا ، فقيده بالذكر ، في محكم الذكر . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 2 إلى 3 ] إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) - الوجه الأول - « إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ » إلى النعم امتنانا إلهيا « إِمَّا شاكِراً » فنزيده منها « وَإِمَّا كَفُوراً » بنعمه فيسلبها عنه ويعذبه على ذلك - الوجه الثاني - لما تبينت طرق السعادة بالرسل قال تعالى « إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ » أي بينا له طريق السعادة والشقاء ، وخلقنا له الإرادة في محله ، فإذا وقع بالاختيار دون الاضطرار والكره نسب إلى من وقع منه نسبة صحيحة ، والتعلق نسبة لا تتصف بالوجود فتكون مخلوقة لأحد ، فتعلقت بأمر ما متعين ، مما يسمى به شاكرا أو كفورا ، فقال تعالى « إِمَّا شاكِراً » فيعمل في السبيل بمقتضاه ، إن كان نهيا انتهى وإن كان أمرا فعل ، « وَإِمَّا كَفُوراً » يقول يستر على نفسه فيخادعون أنفسهم ، فإنه ما ضل أحد إلا على علم ، فإن بيان الحق ليس بعده بيان ، ولا فائدة للبيان إلا حصول العلم ، ثم يستره العالم به عن نفسه لغرض يقوم له ، فتقوم الحجة للّه عليه ، فقوله تعالى « إِمَّا شاكِراً